ابن أبي العز الحنفي

447

شرح العقيدة الطحاوية

والوسع والتمكن وسلامة الآلات ، و « لا حول ولا قوة إلا باللّه » - دليل على إثبات القدر . وقد فسرها الشيخ بعدها . ولكن في كلام الشيخ إشكال : فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار ، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي ، وهو قد قال : لا يكلفهم إلا ما يطيقون ، ولا يطيقون إلا ما كلفهم . وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد ، ولا يصح ذلك ، لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به ، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف ، كما قال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ البقرة : 185 . وقال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ النساء : 28 . وقال تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحج : 78 . فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه ، ولكنه تفضّل علينا ورحمنا ، وخفّف عنا ، ولم يجعل علينا في الدين من حرج . ويجاب عن هذا الإشكال بما تقدم : أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق ، لا من جهة التمكن وسلامة الآلات ، ففي العبارة قلق ، فتأمله . وقوله : وكل [ شيء ] يجري بمشيئة اللّه وعلمه وقضائه وقدره - يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي ، فإن القضاء يكون كونيّا وشرعيّا ، وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات ، ونحو ذلك . أما القضاء الكوني ، ففي قوله تعالى : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ حم السجدة : 12 . والقضاء الديني الشرعي ، في قوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ الاسراء : 23 . وأما الإرادة الكونية والدينية ، فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ : ولا يكون إلا ما يريد . وأما الأمر الكوني ، ففي قوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يس : 82 . وكذا قوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها ، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً الاسراء : 16 ، في أحد الأقوال ، وهو أقواها . والأمر الشرعي ، في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ النحل : 90 ، الآية . وقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها النساء : 58 . وأما الإذن الكوني ، ففي قوله تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ البقرة : 102 . والإذن الشرعي ، في قوله تعالى : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ الحشر : 5 . وأما الكتاب الكوني ، ففي قوله تعالى : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ ،